خان يونس 20-10-2026 وفا- حسين نظير السنوار
وسط محافظة خان يونس جنوب قطاع غزة، يمثل سوق الحبوب التاريخي معلمًا أثريًا وتاريخيًا يؤمه آلاف التجار والباعة والمواطنين يوميًا حيث كان يحتضن بين جنباته كل الحبوب والبقوليات ومواد العطارة والقهوة، إضافة إلى أصناف كثيرة من المواد التموينية تباع بأسعار الجملة والمفرق.
فكان المار بين أزقة هذه السوق العثمانية المتقاربة يستنشق عبق التاريخ ويشتم خليطًا من الروائح التي في أحيان كثيرة يمتزج بعضها ببعض فرائحة الميرامية والزعتر تفوح في طرقاته وكذلك البابونج والتوابل والبهارات ورائحة تحميص البن وطحن القهوة، كما كان يَرى زجاجات الزيوت العطرية وهي تزين أرفف محاله إضافة إلى زُخرفة جميلة من التمور والزبيب وزيت الزيتون وغيرها كذلك محال بيع وتربية الطيور والدواجن ومستلزماتها.
ويقول المواطن محمود بربخ، إن سوق الحبوب التاريخي أو ما يعرف بالعامية سوق الحَب يقف شاهدًا على قرون طويلة من الحركة التجارية والحياة اليومية للمواطنين من داخل خان يونس وخارجها، مشيرًا إلى أن السوق لا يمثل فقط مجموعة من المحال التجارية بل جزءًا من النسيج التاريخي للمدينة حيث ارتبط على مدى عقود طويلة بتجارة الحبوب والمواد الغذائية والتوابل والقهوة والسلع الأساسية التي يحتاج إليها الناس في حياتهم اليومية.
وذكر أن السوق في السابق كان يطلق عليها سوق البلدة، وبعد ذلك لأن أغلب ما يباع الحبوب والبقول أُطلق عليها سوق الحبوب أو سوق الحب، مشيرًا إلى أن هناك ارتباطا كبيرا ووثيقا بين السوق وقلعة برقوق القريبة، منه حيث كانت محطة للقوافل والتجار على الطريق التجاري بين مصر وبلاد الشام، خاصة أن المنطقة كانت مركزًا للتبادل التجاري والحركة الاقتصادية منذ عدة قرون.
فيما قال المواطن ناهض بربخ إن السوق يمثل معلمًا تاريخيًا وأثريًا يفوق عمر الاحتلال بعشرات بل بمئات السنين، مشيرًا إلى أن جده يمتلك الدكان الذي يعمل فيه هو الآن حيث إن جده عمل فيها لمدة 40 عامًا ووالده كذلك عمل في الدكان نفسه لـ40 عامًا أخرى، كما أنه يعمل هو في الدكان ذاته والمكان منذ 40 عامًا أي أنهم يمتلكون الدكان منذ 120 عامًا، ليقف شاهدا على أن حق شعبنا في أرضه وأسواقه قبل أن يكون احتلال إسرائيلي، وليثبت أن حق شعبنا لا يسقط بالتقادم، بل هو حق أصيل ومكفول شرعيًا.
وذكر أنه سيعمر هو وأولاده وكل أصحاب الدكاكين في السوق ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية، وسيعمل الجميع يدًا بيد على إعادة إعماره وإعادة الحياة من جديد، مشيرًا إلى أنه يجري العمل على إعادة إعمار وبناء أربعة دكاكين دُمرت خلال الحرب بالحجارة والصخور نفسها التي بُنيت بها وبقيت شامخة على مدار عمر السوق الطويل.
بينما قال المواطن أحمد الجبور إن السوق تعرضت لأشبه بزلزال قوي ضربها خلال الحرب خاصة في فترة الاجتياح البري لخان يونس، مشيرًا إلى أن المحال التجارية التاريخية بنيت بأحجار صخرية وبأشكال جميلة وأقواس وقباب إلا أنه وعلى الرغم من الخطر والدمار آثر أصحاب المحال على أنفسهم وجازفوا بإعادة إحياء السوق من خلال المساهمة في تنظيفه وإعادة بناء وترتيب ما يمكن ترتيبه رغم خطورة الأوضاع وقربه من الخط الأصفر.
وأشار إلى أنه ورغم محاولة المواطنين استعادة الحياة وتنشيط الحركة التجارية إلا أن الاحتلال يحاول جاهدًا على التنغيص عليهم من خلال استهدافهم إما بصورة مباشرة من خلال القصف كما حدث مؤخرًا في سوق الدنانير وسط خان يونس أو من خلال الطلقات النارية الطائشة التي تصل للسوق وتصيب في أحيان كثيرة المارة والمتسوقين والباعة في خطوة تهدف من خلالها شل الحياة وروح الأمل بالمستقبل، لافتًا إلى أن الحالة الشرائية في الفترة الحالية لن تعود إلى سابق عهدها خاصة وأن الأوضاع الاقتصادية غاية في التعقيد والصعوبة ولشح المواد التموينية والحبوب وكذلك لارتفاع نسبة البطالة.
فيما قال المواطن محمد صافي إن السوق تحاول استعادة جزءًا من دورها بعدما أصابت الحرب أجزاء واسعة منها بالدمار وأجبرت التجار على النزوح وترك محالهم وتركتها فريسة سهلة للخراب والنهب والحرق، مشيرًا إلى أنه تُجري أعمال تأهيل لإعادة بناء أربعة محال باستخدام حجارتها الأصلية، في مشروع يهدف إلى حماية القيمة التاريخية للمكان وإعادة النشاط الاقتصادي إليه.
ولفت إلى أنه يدير محلًا في السوق مع إخوته منذ سنوات طويلة وكان والده وجده من قبلهم وخلال فترة الحرب والنزوح اضطروا للهرب وترك الحبوب والدقيق في الدكان وبعد التهدئة عادوا للسوق ليجدوا الكثير من المحال والدكاكين قد دمرت ولم يجدوا فيها بضاعة، محملًا الاحتلال مسؤولية تدمير السوق والعبث بها وفقدان محتوياته والمخزون التجاري الذي كان متواجدًا به وربما يسهم لعدة أسابيع أو أشهر لتلبية حاجة المواطنين من الحبوب والدقيق.
أما المواطن زكي وادي فيقول إنه اعتاد منذ سنوات طويلة تفوق الثلاثين عامًا على زيارة سوق الحبوب وشراء كل ما يلزمه منها من حبوب ودقيق وغيرها من مواد تموينية خاصة وأن الاسعار في السوق قريبة جدًا لأسعار الجملة أن سعرها يكون غالبًا ارخص من المناطق الأخرى وتكون بجوده وتاريخ انتاج قريب.
وتابع أن قرب سوق الحبوب من سوق الخضروات الرئيس في خان يونس وقربه أيضًا من سوق الخان الذي يبيع الخضروات بالجملة جعل لسوق الحبوب مكانه خاصة عند المواطنين لاسيما وأن المار من سوق الخضروات لابد وأن يسير في شوارع سوق الحبوب حتى لو لم يكون يحتاج لشراء شيء منها لأنها حلقة الوصل بين السوق وموقف السيارات والمواصلات وسط البلد.
أما المواطن توفيق الخطيب فيقول إن السوق تعتمد بصورة أساسية على السلع الغذائية الجافة التي يحتاجها المواطنين منها القمح والطحين والأرز والعدس والفاصولياء وغيرها من البقوليات، إلى جانب البهارات والقهوة، مشيرًا إلى أن ذلك يعكس أهمية سوق الحبوب فهو ليس مجرد مكان لشراء المواد الغذائية، بل حلقة من سلسلة تبدأ من الموردين وتجار الجملة بالباعة وتجار القطاعي وتنتهي بالمستهلك.
ولفت إلى أن تصميم السوق وحجارتها القديمة وطريقة البناء الصخري الجميل يعيد المار فيها إلى تاريخ الحضارات والأجيال والأجداد ويبرز جمال المباني الصخرية كم اخذت من جهد ووقت وتعب حينها في سبيل إبرازها بهذا الجمال الحضاري الراقي، مشيرًا إلى أن تاريخنا بغيض المحتل الإسرائيلي الأمر الذي أدى إلى تدمير المباني والتصاميم الأثرية في إصرار منه لطمس الهوية الوطنية الفلسطينية الا أنه سيبقى عاجزًا عن ذلك أمام صلابة وتمسك أبناء شعبنا بأرضهم هويتهم التراثية.
فيما اعتبر المواطن هاني الأخرس أن سوق الحبوب ليس مجرد سوق لبيع القمح والأرز والبقوليات فحسب بل هو ذاكرة اقتصادية واجتماعية لخان يونس وأحد أهم الشواهد على تاريخها التجاري والاقتصادي، لافتًا الى أن إعادة بعض المحال فتح أبوابها وبدء تعمير وإصلاح بعض الدكاكين في السوق يشير إلى أن عودة الحياة الاقتصادية والشرائية يعيد للمدينة بعضًا من ملامحها التي سرقتها الحرب على مدار ثلاثة سنوات.
ولفت إلى أن إعادة افتتاح السوق أبوابها في ظل الوضع الاقتصادي المتردي يمثل تحديًا قويًا من قبل المواطنين والباعة على حد سواء أن الحروب والدمار لا يمكن أن توقف مسيرة الحياة لشعبنا وهو إصرار على استدامة الحياة رغم ما فيها من صعوبات إضافة إلى إثبات أن شعبنا قادر على حماية تراثه من خلال إعادة الحياة للسوق.
بينما قال مركز حفظ التراث الثقافي والمشرف على إعادة بناء السوق إنه ضمن أعمال الترميم وإعادة التأهيل الطارئ التي ينفذها مركز حفظ التراث الثقافي (CCHP) من خلال طواقم عمله في غزة، وبدعم من مؤسسة غيردا هنكل (Gerda Henkel Stiftung)، تتقدم الأعمال في سوق الحبوب في خان يونس مع استكمال بناء الجدران وإعادة الأجزاء المتضررة ومع مراعاة الحفاظ على الطابع المعماري التقليدي للمحلات واستعادة عناصرها الإنشائية والمعمارية بما يتوافق مع متطلبات المشروع ومعايير الحفاظ على قيمتها التراثية.
وأشار إلى أنه يجري جمع الحجارة التقليدية المتناثرة وفرزها وتجهيزها لإعادة استخدامها ضمن أعمال التأهيل وإعادة البناء، بما يحافظ على أصالة المكان وعناصره المعمارية.
وأضاف المركز أنه هذه الأعمال تسهم في الحفاظ على العناصر التاريخية والمعمارية لسوق الحبوب، وصون جزءًا من التراث العمراني والثقافي لمدينة خان يونس وتمثل هذه خطوة جديدة نحو استعادة ملامح سوق الحبوب والحفاظ على ما تبقى من عناصره.
ولفت إلى أن الأعمال الجارية تركّز على إعادة تأهيل المحلات المتضررة واستعادة أجزائها المنهارة، إلى جانب معالجة وتجهيز العناصر التي يمكن إعادة استخدامها، وتنظيف المواقع ورفع الركام والمخلفات وتهيئتها لاستكمال أعمال التأهيل وإعادة البناء.
يشار إلى أن قطاع غزة يضم إرثًا حضاريًا يمتد لآلاف السنين، من مواقع كنعانية وبيزنطية ورومانية إضافة لمساجد مملوكية وكنائس قديمة وبيوت تاريخية، وقد تعرضت مواقع أثرية وتاريخية عديدة للتدمير أو لأضرار جسيمة خلال الحرب، ما أثار مخاوف المواطنين بشأن ضياع أجزاء من الذاكرة التاريخية والثقافية الفلسطينية ومن أهم تلك المعالم المسجد العمري في غزة، وقصر الباشا في البلدة القديمة من غزة، وكنيسة القديس برفيريوس، وميناء أنثيدون الأثري، وحمام السمرة، ودير القديس هيلاريون تل أم عامر، والكنيسة البيزنطية في جباليا، وسوق القيسرية وقلعة برقوق وغيرها الكثير.
يعود إنشاء سوق الحبوب التاريخي في مدينة خان يونس إلى عام 1362 ميلادية وهو من أقدم الأسواق الشعبية والتجارية في قطاع غزة.
ــــ
ح.س/ي.ط


