أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات
تاريخ النشر: 08/10/2026 05:12 م

زيتون قلقيلية.. موسم محاصر بالخوف والاعتداء

 

قلقيلية 8-10-2026 وفا- ميساء عمر

لم يكن المواطن محمد غانم ابن الستين عاما، يتوقع أن تتحول ساعات قطف الزيتون في أرضه إلى مواجهة كادت تودي بحياته.

ففي المنطقة الشرقية من قرية إماتين شرق قلقيلية، وبينما كان برفقة ثلاثة من أقاربه في أرضهم قبل أيام، باغتهم مستعمرون ملثمون واعتدوا عليهم بالعصي والحجارة، قبل أن يتركوا غانم مصابا بحالة خطيرة.

يروي غانم تفاصيل ما جرى، قائلا إن قوات الاحتلال أرسلت في اليوم الذي سبق الاعتداء طائرة مسيّرة "درون" صوّرتهم أثناء وجودهم في المنطقة، وتعرّفت إلى أماكن وجودهم، دون أن توجه إليهم أي تحذير أو تمنعهم من قطف ثمار الزيتون.

وفي اليوم التالي، وفي الموعد ذاته، باغتهم نحو عشرة من المستعمرين الملثمين بالعصي والحجارة، فتمكن أقاربه من الفرار بعد تعرضهم لرضوض بسيطة، فيما أحاطوا به وانهالوا عليه بالضرب، مركزين اعتداءهم على رأسه، إلى أن وصلت فزعة من سكان القرية، ما دفعهم إلى الفرار، بينما سقط غانم أرضا.

ونُقل غانم إلى مستشفى العربي التخصصي في مدينة نابلس، حيث تبين إصابته بنزيف داخلي في الدماغ، وكانت حالته الصحية خطرة، قبل أن يتلقى العلاج وتستقر حالته.

ويقول غانم إن عائلته اعتادت سنويا قطف ثمار الزيتون من أرضها دون أي عوائق، وكان الموسم يشكل مصدر دخل مهما له، إذ كان إنتاج أرضه يقدر بما لا يقل على نحو 200 كيلو من الزيت سنويا، لكنه اليوم، وبعد ما تعرض له، يقول إنه خسر محصوله وأرضه، وقبل ذلك صحته، وبات يخشى العودة إلى أرضه البالغة مساحتها خمسة دونمات.

ويضيف أن الأرض تقع في منطقة مصنفة "ب"، وبعيدة عن المستعمرات، ولم يكن فيها ما يستدعي هذا الخوف الذي بات يرافقه، مؤكدا أنه لم يكن يفعل سوى ممارسة عمله الزراعي وقطف محصوله.

ولا يقتصر الأمر على غانم ورفاقه، فبحسب مجلس قروي إماتين، باتت نحو 40 عائلة في القرية أكثر حذرا وخشية من الوصول إلى أراضيها، في ظل تواصل الاعتداءات التي يتعرض لها المزارعون، فيما تنتظر نحو 300 دونم مزروعة بالأشجار أصحابها لقطف ثمارها، تقع بالقرب من أرض غانم.

وفي قرية جيت المجاورة، لا تختلف الصورة كثيرا، وإن اختلف شكل الاعتداء؛ فالشاب هاشم عرمان في الثلاثينات من عمره، واجه اعتداء من نوع آخر، حين كان في أرضه الواقعة في المنطقة الجنوبية الشرقية من القرية، والمعروفة باسم "وجه جرفا"، لقطف ثمار الزيتون من أرضه البالغة مساحتها خمسة دونمات.

ويروي عرمان أنه أمضى يومين متتاليين في قطف ثمار الزيتون، وفي نهاية اليوم الثالث، وبينما كان يستعد لنقل الأكياس والمعدات من الأرض، ترصده مستعمرون وحاصروه، مهددين إياه ومن معه بالسلاح، قبل أن يسرقوا محصولهم والمعدات التي كانوا قد أمضوا أياما في جمعها.

ويقول عرمان إن المستعمرين استولوا على نحو 30 كيسا من ثمار الزيتون، إضافة إلى معدات القطف، ثم نقلوا المحصول مباشرة بواسطة مركبة من نوع "تندر"، في لحظات سلبت منهم حصيلة أيام من العمل والتعب، دون أن يتمكنوا من حماية محصولهم أو استرداده.

وبحسب مجلس قروي جيت فإن القرية الواقعة في منطقة التماس بمحافظة قلقيلية، من القرى الأكثر عرضة لاعتداءات المستعمرين، إذ تحيط بها من الشمال والجنوب ثماني بؤر استعمارية، لا تبعد أقربها سوى نحو 200 متر عن الجهة الشمالية للقرية، فيما لا يقل عدد المستعمرين في محيطها عن 10 آلاف مستعمر، ما يجعل أراضيها الزراعية، المزروعة بأشجار الزيتون، و التي تبلغ مساحتها نحو 3 آلاف دونم، منها قرابة ألف دونم قريبة من المستعمرات، عرضة بشكل متكرر للاعتداءات، ويهدد مصدر رزق نحو 80 أسرة تعتمد على موسم قطاف الزيتون كمصدر رزق لها.

وفي قرية كفر قدوم شرق قلقيلية، وفي الجهة الشمالية الشرقية منها يواجه وسيم شتيوي في الأربعينات من عمره، صعوبة متواصلة في الوصول إلى أرضه البالغة مساحتها 18 دونما، رغم أنها لا تقع خلف جدار الضم والتوسع، إلا أنها تبعد نحو 500 متر عن تجمع مستعمرة "قدوميم".

ويقول شتيوي إن قوات الاحتلال تمنعهم للعام الرابع على التوالي من الوصول إلى أراضيهم لقطف ثمار الزيتون، وتتخذ في كل عام إجراءات جديدة تعيق وصولهم إليها.

ويوضح أن هذا العام شهد إقامة بؤرة استعمارية جديدة تعرف باسم “الكدان” بمنطقة اراضيهم، بعد أن جرفت قوات الاحتلال الطريق الترابية المؤدية إلى أرضه، الأمر الذي قطع الطريق أمامهم، وجعل الوصول إليها أكثر صعوبة وخطورة، في ظل مخاوفهم من اعتداءات المستعمرين.

ويشير شتيوي إلى أن المجلس القروي حصل عام 2023 على مشروع لاستصلاح الأراضي في المنطقة، بتمويل بلغ 24 مليون دولار، بهدف خدمة الأراضي الزراعية وتطويرها، إلا أن إجراءات الاحتلال حالت دون تنفيذ المشروع والاستفادة منه، فيما أخذت المنطقة تتقلص عاما بعد عام، بالتزامن مع تزايد تردد المستعمرين إليها واعتداءاتهم.

وأضاف أن هذه الظروف باتت تثير مخاوفه وعائلته، لا سيما أن أرضه كانت مصدر رزق لنحو ست أسر، وأن عدم تمكنهم من الوصول إليها والاستفادة من محاصيلها الزراعية أدى إلى خسائر متراكمة خلال السنوات الثلاث الأخيرة تُقدّر بنحو مليون ونصف شيقل.

ولا تقتصر خسارة شتيوي وعائلته على الجانب المادي، إذ يؤكد أن الخسارة النفسية والمعنوية أكبر، فهذه الأرض ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، وتحمل بالنسبة لهم "عبق الماضي والتاريخ"، وهو ما يجعل فكرة فقدانها أو عدم القدرة على الوصول إليها أمرا يصعب تقبله.

ويوضح شتيوي أنه، وبعد التواصل مع الجهات المختصة، سُمح لهم مؤخرا بالوصول إلى أرضهم ليوم واحد ولساعات محدودة، مع تقليص عدد أفراد العائلة المسموح لهم بدخولها، وهو ما اعتبره إجحافا بحقهم وحرمانا لهم من حقهم في الوصول إلى أرضهم والعناية بها، مؤكدا أنه رغم هذه الإجراءات والقيود، سيواصل بذل كل ما بوسعه للوصول إلى أرضه والحفاظ عليها، وعدم تركها فريسة للاحتلال والمستعمرين.

وبحسب مجلس قروي كفر قدوم، فإن عدة مستعمرات تحيط بالقرية من الجهة الشمالية، ما يجعل أراضيها الزراعية عرضة بشكل متكرر لاعتداءات المستعمرين وإجراءات الاحتلال، التي تعيق وصول نحو 200 مزارع إلى أكثر من 4 آلاف دونم من أراضيهم المزروعة بأشجار الزيتون، والتي تنتظر موسم القطاف.

وهكذا، يمر موسم قطاف الزيتون في قلقيلية تحت وطأة اعتداءات المستعمرين وقيود الاحتلال، التي تحاصر المزارعين وتعيق وصولهم إلى أراضيهم وقطف ثمارها، مهددة مصدر رزقهم وإرثهم الزراعي المتوارث.

ــــ

م.ا/ر.ح

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا