أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات
تاريخ النشر: 28/09/2026 11:28 ص

بيت فوريك والأطواق الثلاثة

(تصوير: وفا)
(تصوير: وفا)

 

نابلس 28-9-2026 وفا- فراس حنني

على بعد سبعة كيلومترات شرق مدينة نابلس، تواجه بلدة بيت فوريك إحدى أعنف موجات التضييق الميداني والجغرافي؛ فلم تعد اعتداءات المستعمرين مجرد حوادث عابرة، بل تحولت إلى سياسة ممنهجة يغذيها تصاعد العنف الاستعماري بغطاء مباشر من الآلة العسكرية الإسرائيلية، عبر ثلاثة أطواق استعمارية تلتف حول البلدة، لحشر آلاف الفلسطينيين داخل شريط عمراني ضيق، وانتزاع أراضيهم التاريخية قطعة بعد قطعة.

الطوق الأول: (أحياء الضباط والنقارة والقنيطرة)

على الجهة الغربية للبلدة، تشكل أحياء القنيطرة والنقارة والضباط خط تماس مع مستعمرة "إيتمار" والبؤر الاستعمارية المحيطة بها، في ظل مخاوف من استمرار اعتداءات المستعمرين الذين يتسللون تحت جنح الظلام لممارسة الإرهاب؛ من حجارة تحطم النوافذ الآمنة، وشعارات عنصرية تلطخ الجدران وتدعو إلى القتل والتهجير، وأيدٍ تطال ممتلكات المواطنين ومصادر رزقهم، كما حدث حين أُحرقت المركبة التجارية للمواطن محمد حنني، وعدد من الغرف الزراعية المجاورة.

وفي هذه الأحياء، لا تقاس الليالي بالساعات، بل بمقدار النجاة من الموت. هناك، عاش المواطن عبادة مليطات وأسرته تفاصيل ليلة مرعبة كادت تودي بأرواحهم، حين حاصر اللهب منزله الواقع في حي الضباط، في مشهد أعاد إلى الأذهان فاجعة عائلة دوابشة، إثر هجوم شنه مجموعة من مستعمري "إيتمار" على منزله في منتصف ليلة 26 يوليو/ تموز 2026.

ويروي مليطات لمراسل "وفا" مأساة تلك الليلة الصادمة وتفاصيل الجريمة التي نجا منها هو وعائلته بينهم أطفال رضع بأعجوبة، فيقول: "استيقظنا منتصف الليل على أصوات محاولة فتح مجموعة من المستعمرين الأبواب والنوافذ، وعندما صرخت عليهم، سارعوا إلى سكب مواد سريعة الاشتعال بهدف إحراق المنزل، وكانت النيران قد بدأت بالفعل تلتهم النوافذ والباب الرئيسي. ومع تعالي صرخاتي وصراخ الجيران الذين سارعوا إلى المساعدة، فروا باتجاه مستعمرة "إيتمار"، قبل إتمام مخططهم. ولولا فضل الله ووجود مطفأة حريق جهزتها مسبقاً، لاختنقنا واحترقنا جميعاً داخل البيت".

الطوق الثاني: (سهل بيت فوريك)

سهل بيت فوريك الواقع في الجهة الشمالية للبلدة، والذي يمثل القلب الزراعي والرعوي النابض، وسلة الغذاء الأولى التي تعتمد عليها مئات العائلات، تحول مؤخرا إلى ساحة مواجهة محتدمة تقودها بؤرة استعمارية رعوية أقيمت حديثاً على مقربة منه.

وشهد سهل بيت فوريك في 23 يوليو/ تموز 2026 حادثة إضرام المستعمرين النار في حقول القمح والشعير، وعندما حاول الأهالي إطفاء الحريق، باغتتهم زخات الرصاص الحي من الجيش ومستعمريه، ما أدى إلى ارتقاء الشهيدين محمد حسين حنني ومحمود مليطات، وإصابة آخرين.

ويقول المزارع عرفات نصاصرة، الذي يقطن مع عائلته في السهل: "قبل عدة سنوات استثمرت شقاء عمري في شراء قطعة أرض في السهل، وبنيت بيتاً ومأوى (بركسا) لحوالي 400 رأس غنم. كنا نعيش في رغد وبساطة، نسرح بأغنامنا في أحضان السهل ونقتاد من خيراته. لكن، مع بداية هذا العام، تحولت حياتنا إلى جحيم وخوف بعدما أقام المستوطنون بؤرة استعمارية قبالة منزلي الذي لا تبعد عنه سوى أمتار".

ويضيف نصاصرة: "حاول مستعمر منعي من الرعي، بحجة أن هذه الأرض له ولأغنامه، وكان يطاردني بمركبته لإرهاب الأغنام، وفي أحد الأيام حشد جمعاً من المستعمرين وشنوا هجوما على منزلي واعتدوا علينا بالضرب المبرح، وحاولوا خلع باب (البركس) لسرقة الأغنام، إلا أننا صمدنا برفقة الأهالي الذين هبوا وأجبروا المستعمرين على التراجع. وأمام هذا المسلسل اليومي، اضطررت إلى إحاطة منزلي بجدار مرتفع وسياج وبوابة حديدية لحماية عائلتي ومواشيّ".

الطوق الثالث: (خربة طانا التحتا وطانا الفوقا

تستمر فصول المعاناة وتضييق الخناق على المنطقة الشرقية (خربة طانا التحتا وطانا الفوقا)، بهدف تقويض الامتداد السكاني والسيطرة على المتنفس الطبيعي والزراعي والسياحي الوحيد المتبقي للبلدة والممتد شرقاً نحو الغور. وسط هجمات متصاعدة من مجموعات "فتية التلال" المنطلقة من بؤرتي "جغعات أولام" و"تل 777" والبؤرة الرعوية في خربة طانا.

تتعدد شكال هذا العدوان من تدمير الغرف الزراعية والكهوف، واستهداف خلايا الطاقة الشمسية وخزانات المياه وخطوطها، وإغلاق "مسجد بيت الشيخ" في خربة طانا التحتا، وهدم المدرسة الوحيدة فيها وتشريد الأهالي.

ويقول رئيس بلدية بيت فوريك يوسف حنني لمراسل "وفا، "إن هدف وجودنا في هذه المنطقة تعزيز صمود السكان والوقوف على احتياجاتهم، رغم ما تعرضنا له أثناء توجهنا إلى المنطقة وفي منتصف الطريق، حيث اعترضت طريقنا مركبة يستقلها مستعمرون  مسلحون ومقنعون ويرتدون زياً عسكرياً، وتعرضنا للاحتجاز الفوري والسحل على الأرض تحت لهيب الشمس لساعات طويلة، والضرب المبرح الذي أسفر عن إصابة عدد من الأعضاء بكدمات وكسور في الأضلاع، إلى جانب إطلاق الرصاص الحي وقنابل الغاز عند أقدامنا لترهيبنا".

ويوضح أن ما تشهده بيت فوريك يأتي ضمن سياسة ممنهجة لتغيير معالم الجغرافيا بالقوة، معرباً عن تخوفه من أن يكون موسم قطاف الزيتون لهذا العام موسماً دموياً.

وفي السياق ذاته، أفاد الناشط في "الحملة الشعبية للدفاع عن خربة طانا" ثائر حنني لمراسل "وفا" بتصاعد عمليات الإخلاء القسري تحت تهديد السلاح بالقول: "قبل نحو شهرين تعرض المواطن بسام نصاصرة وعائلته لهجوم بربري اعتدى خلاله المستعمرون عليهم بالضرب المبرح، وأمهلوهم عشر دقائق فقط لإخلاء منزلهم تحت تهديد السلاح، ما أجبر العائلة على النزوح القسري فحُرمت من العودة حتى اللحظة".

وأشار حنني إلى أن الاعتداءات طالت المواطن رزق نصاصرة الذي تعرض للضرب وتخريب سيارته، والمواطن محمد حنني الذي أُجبر على المغادرة بعد ضربه وسرقة أغنامه، في حين تعرض المواطنان محمود خطاطبة ومعروف نصاصرة للضرب المبرح.

وتعكس هذه المأساة المشهد العام في الضفة الغربية، حيث وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، تنفيذ الاحتلال ومستعمريه 11074 اعتداءً وإقامة 42 بؤرة استعمارية جديدة خلال النصف الأول من العام الجاري.

ــــــــ

/س.ك

 

 

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا