بيت لحم 10-9-2026 وفا- وعد الكار
لم يكن وصول المزارعة الستينية فتحية صلاح إلى أرضها في بلدة الخضر جنوب بيت لحم، رحلة اعتيادية لقطف ثمار العنب، فقد اضطرت إلى الدخول إليها خلسة، وهي تترقب المكان خشية أن تلاحقها قوات الاحتلال الإسرائيلي أو يمنعها المستعمرون من الوصول إلى أشجار اعتنت بها سنوات طويلة.
وتقع أرض صلاح بالقرب من مستعمرة "دانيال" المقامة على أراضي المواطنين جنوب بيت لحم، حيث تحولت رحلة المزارعين إلى أراضيهم، لا سيما خلال موسم العنب، إلى مغامرة محفوفة بالخوف والمخاطر.
تقول صلاح، وهي تقف إلى جانب منتجاتها خلال افتتاح الأيام التسويقية الثامنة للعنب والمنتجات النسوية في بلدة الخضر، إن قلبها لم يطاوعها على ترك أرضها وثمارها، فذهبت إليها خلسة وقطفت ما استطاعت من العنب، رغم تهديدات الاحتلال.
وتضيف: "في نهاية موسم العنب العام الماضي، اقتحمت قوات الاحتلال منزلي وهددتني بألا أذهب إلى أرضي مرة أخرى، لكنني لا أستطيع التخلي عنها وعن أشجارها".
لم تقتصر معاناة صلاح هذا العام على صعوبة الوصول، إذ منعتها سلطات الاحتلال من حراثة أرضها، ما انعكس على قدرتها على خدمتها والعناية بأشجارها. ومع ذلك، بقيت مرتبطة بها، ترى في كل شجرة جزءا من حياتها وذاكرة عائلتها، وفي كل عنقود عنب تحمله إلى السوق دليلا على أنها ما زالت متمسكة بحقها في الأرض.
حكاية صلاح ليست حالة فردية، بل واحدة من حكايات كثيرة يحملها مزارعو محافظة بيت لحم إلى الأيام التسويقية، التي افتُتحت، اليوم الخميس، في بلدة الخضر، بهدف توفير مساحة لتسويق العنب والمنتجات الزراعية والنسوية، ودعم صمود المزارعين في ظل قيود الاحتلال المتصاعدة.

ومن بين المشاركين المزارع الأربعيني محمد صبيح، الذي يتحدث عن معاناة يومية يعيشها المزارعون خلال محاولتهم الوصول إلى أراضيهم والعمل فيها.
يقول إن سلطات الاحتلال والمستعمرين يفرضون تضييقات متواصلة عليهم، في محاولة لدفعهم إلى الابتعاد عن أراضيهم وتركها.
ويشير إلى أنه وأفراد عائلته تعرضوا لاعتداءات عدة أثناء عملهم في الأرض، لكنها لم تدفعهم إلى التخلي عنها، مؤكدا أن بقاء المزارع في أرضه وزراعتها وحمايتها يشكل خط الدفاع الأول عنها.
ويناشد المواطنين دعم المزارع الفلسطيني والإقبال على شراء المنتج المحلي، قائلا إن اختيار المنتج الفلسطيني لا يقتصر على كونه قرارا اقتصاديا، بل يمثل إسنادا مباشرا للمزارع الذي يواجه صعوبات كبيرة في الوصول إلى أرضه وزراعتها وتسويق إنتاجها.
وبينما تبدو عناقيد العنب والمنتجات البلدية المعروضة في السوق ثمرة موسم زراعي، فإن خلف كل منها رحلة طويلة من التعب والمخاطرة؛ تبدأ بمحاولة الوصول إلى الأرض، ولا تنتهي عند قطاف المحصول ونقله وتسويقه.
وقال محافظ بيت لحم محمد طه إن المزارعين الفلسطينيين يتعرضون لاعتداءات متواصلة من المستعمرين، مؤكدا أن المنتجات الزراعية الفلسطينية هي الأغلى قيمة، لما يدفعه المزارعون من تضحيات في سبيل الوصول إليها وإنتاجها.
وأضاف: "يكاد المزارعون يدفعون أعمارهم ثمنا لهذه المنتجات"، مشددا على أهمية الوقوف إلى جانبهم وتعزيز قدرتهم على البقاء في أراضيهم، في ظل ما يتعرضون له من استهداف يطاول الإنسان والأرض ومصادر الرزق.
بدوره، قال وكيل وزارة الزراعة طارق أبو لبن إن أكثر من 50% من الأراضي الزراعية لا يستطيع أصحابها الوصول إليها بسبب إجراءات الاحتلال، الأمر الذي يلحق خسائر كبيرة بالقطاع الزراعي ويهدد مصدر دخل آلاف الأسر.
وأكد أبو لبن ضرورة تضافر الجهود الرسمية والأهلية والاقتصادية لإعطاء كل مزارع حقه، وتوفير منافذ حقيقية لتسويق إنتاجه، مشيرا إلى أن للعنب خصوصية كبيرة في محافظة بيت لحم، سواء من حيث المساحات المزروعة أو ارتباطه بالموروث الزراعي والاقتصادي والاجتماعي للمحافظة.
وقال: "نقف عند واجبنا تجاه المزارع"، موضحا أن تنظيم الأيام التسويقية يمثل إحدى وسائل دعم المنتج المحلي ومساعدة المزارعين على الوصول مباشرة إلى المستهلكين.
من جهته، قال لطفي أبو حشيش، من جمعية التنمية الزراعية، إن اعتداءات المستعمرين المتصاعدة في مختلف أنحاء الضفة الغربية لن تنال من عزيمة أبناء الشعب الفلسطيني أو ارتباطهم بأراضيهم، مؤكدا أهمية استمرار المبادرات التي تعزز صمود المزارعين وتوفر لهم فرصا لتسويق منتجاتهم.
وتُنظم الأيام التسويقية بالتعاون بين وزارة الزراعة، وجمعية التنمية الزراعية، وغرفة تجارة وصناعة محافظة بيت لحم، وبلدية الخضر، وبرنامج الأغذية العالمي، وتستمر حتى مساء السبت المقبل في مدينة الخضر، بالقرب من منطقة النشاش.
ـــــ
و.ك/ر.ح


