أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات
تاريخ النشر: 29/04/2026 07:33 م

ما علاقة الأربع بقرات بانعدام المراعي في العتماوية؟!


الأغوار 29-4-2026 وفا- الحارث الحصني

الرابع والعشرون من نيسان/أبريل، وقبل أن تشرق الشمس من خلف الجبال الشرقية لتغمر تجمع العتماوية بالأغوار الوسطى، كان فضل أبو الكبيش قد أنهى للتو إطعام ماشيته المحصورة في حظائرها.

اضطرّ الرجل، وهو ربّ أسرة، إلى تكرار هذا المشهد يوميًا برفقة ثلاث عائلات أخرى، كخيارٍ أقلّ خسارة، في منطقة أخذت ثروتها الحيوانية بالتراجع بشكل لافت.

في ذلك الوقت، كان من المفترض أن يكون أبو الكبيش قد سرّح الأغنام إلى الجبال القريبة من خيامه لعدة ساعات قبل أن يشتد الحر ويعود بها إلى الحظائر. لكن في أفضل الحالات، وبالوضع الراهن، يحتاج الرجل قرابة نصف طن يوميًا من العلف لإطعام حوالي (300) رأس ماشية له.

في ذلك اليوم، أي يوم الجمعة، كان مستعمران فتيان يرعيان أربعة رؤوس بقر في منطقة جرداء، في محيط الخيام التي يسكن فيها أبو الكبيش.

يحضر المستعمرون مواشيهم إلى التجمعات الفلسطينية من البؤر الاستعمارية المنتشرة في مناطق الضفة الغربية، والتي بلغ عددها، حسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، 347 بؤرة حتى نهاية العام 2025.

طيلة أربع ساعات متواصلة أمضاها عدد من الصحفيين في التجمع، أمكن تسجيل أشكال مختلفة من اعتداءات المستعمرين هناك.

فتارةً يسرحان الأبقار في حرم الخيام، ومرةً يضعان الحجارة وسط الطريق الترابية التي تصل إلى التجمع.

"يفعلون كل أمر لا يخطر على بال الإنسان"، قال أبو الكبيش.

يتحدث الرجل بلسان التجمع كاملاً، الذي يلاقي المصير ذاته كل يوم. لكن الشيء اللافت أنهما يمنعان ماشية المواطنين (بحماية جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي يظل قريبًا منهما) من الخروج إلى المراعي.

ما يحدث في هذه المنطقة هو شكل واحد من أشكال الاستعمار الرعوي الذي انتشر في الشريط الشرقي للضفة الغربية عمومًا.

كان الاستعمار الرعوي مقتصرًا، قبل سنوات، على المراعي المنتشرة في الأغوار الفلسطينية، من خلال جلب المستعمرين للماشية والأبقار ووضعها في حظائر داخل بؤر استعمارية على قمم الجبال، ثم تسريحها ومنع رعاة الماشية الفلسطينيين من تسريح مواشيهم فيها.

ومع تقدم السنوات، أصبح هذا النوع من الاستعمار يقترب شيئًا فشيئًا من مساكن المواطنين وحظائر مواشيهم، حتى وصل الحال بهم إلى المنع الكامل من تسريح مواشيهم.

جالسًا في ظل خيمة مطلة على مجرى الوادي، يقول أبو الكبيش، بعد أن طلب من أحد أبنائه أن يضع قليلًا من الأعلاف لإعادة الماشية: "لم يعد لدينا مراعٍ نسرّح ماشيتنا بها".

يستعيض أبو الكبيش في مثل هذه الحالات بتقديم الأعلاف المشتراة بأثمان متفاوتة. ربما يتساءل أحد: لماذا كل هذه التكاليف رغم توفر المراعي حوله؟ تكمن الإجابة في البقرات الأربع.

في الواقع، تمتد المراعي في تلك المنطقة على آلاف الدونمات، وكانت، حتى قبل أربع سنوات، مرتعًا جيدًا لمواشي المواطنين في المنطقة.

أدى انتشار ظاهرة الاستعمار الرعوي في الضفة الغربية إلى مشاهدة مواشي المستعمرين وأبقارهم ترعى حتى قرب مساكن المواطنين في المنطقة ذاتها.

قال أبو الكبيش: "كل يوم يحضر المستعمران، قبل أن تشرق الشمس، بضع بقرات، ويبقيانها في محيط الخيام، ويمنعون مواشينا من الخروج".

حقيقةً، ليست المشكلة بعدد البقرات التي يرعاها المستعمرون في المنطقة؛ فقبل أيام من تلك الحادثة كانت حوالي عشر بقرات، ثم تناقص العدد إلى أربعة.

هذا هو الاستعمار الرعوي الذي بات يهدد الثروة الحيوانية التي حُرمت من المراعي، واستمرار التواجد الفلسطيني في الأغوار الفلسطينية.

يأخذ هذا النوع من الاستعمار شكلًا واضحًا قرب التجمعات الفلسطينية في مناطق الشريط الشرقي للضفة الغربية. ما يحدث مع العائلات في المنطقة أمر يقارب الخيال.

على طول الشريط الشرقي للضفة الغربية، تعيش مئات العائلات الفلسطينية على تربية الماشية والزراعة البعلية.

يقول أبو الكبيش: "هنا تعيش كأنك في خيال".

يمر من أمام التجمع مجرى وادٍ صغير، يقطعه طريق وعرة تسمح للجرارات الزراعية وبعض المركبات باجتيازه والوصول إلى العائلات التي تسكن في التجمع.

والعتماوية تجمع فلسطيني صغير في منطقة تقع بين مفترق حاجز الحمرا قديمًا وحاجز عين شبلي الحالي، لا يُذكر في نشرات الأخبار كثيرًا، لكن مصادفة واحدة كشفت عن تغوّل إرهاب المستعمرين فيه.

يقول الرجل: "نحن هنا في هذا الصراع منذ أربع سنوات (...), الهدف إجبارنا على الرحيل".

تسكن عائلة أبو الكبيش، برفقة ثلاث عائلات أخرى، حوالي (60 فردًا) المنطقة منذ أربعين عامًا، وكان خلالها جوالًا في المراعي المنتشرة في المنطقة، لكن بسبب إرهاب المستعمرين، ظلت فرصة تسريح الرجل لماشيته تتناقص حتى أصبحت محصورة فقط في الحظائر.

تعرف الباحثة في مجال العلوم السياسية والدراسات الإسرائيلية، هدى خالد مباركة، "الاستعمار الرعوي" بأنه شكل جديد من أشكال الاستعمار في منطقة الأغوار.

وتبين الباحثة، في الدراسة التي أعدتها، أن الاستعمار الرعوي هو أسلوب من أساليب التوسع الاستعماري الذي يأتي من الأسفل.

يمكن الادعاء بأن معظم أساليب التوسع الاستعماري في الضفة الغربية كانت تأتي من الأعلى، ومدفوعة بتخطيط مركزي تقوم به دولة الاحتلال، وتحث عليه المنظمات الاستعمارية و"المجلس الإقليمي" للمستعمرات.

أما الاستعمار الرعوي فهو نموذج مستحدث يقوم به المستعمرون أنفسهم، في محاولة منهم لفرض حقائق جديدة على الأرض.

وبالتركيز على مشروع الاستعمار الرعوي، ثمة مسألتان لا بد من الوقوف عندهما لغرض هذا البحث، هما أسلوب محاكاة نمط الحياة الفلسطيني "الراعي" من قبل المستعمر، والعلاقة التي تجمع هذا الأسلوب من الاستعمار (الاستعمار من الأسفل) مع مؤسسات الدولة والمنظمات الاستعمارية المتنوعة، التي تمارس التوسع الاستعماري بشكل ممنهج من الأعلى، وتستهدف "شبيبة التلال" في منطقة الأغوار الفلسطينية المرتفعات الجبلية والهضاب والمساحات الشاسعة، بهدف إنشاء البؤر الاستعمارية التي ترتكز على النموذج المستحدث من الاستعمارية، والقائم على الأساس الرعوي الذي تم انتهاجه لاستغلال هذه الأراضي وعدم تركها فارغة، كونها تعتبر غير ملائمة للنوع القائم على الاستعمار الزراعي.

تظهر بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن مساحة المراعي التي يستولي عليها المستعمرون في الضفة الغربية بلغت، حتى نهاية عام 2024، حوالي 488 ألف دونم، مع الإشارة إلى أن هذا الرقم في تزايد نظرًا لارتفاع عدد البؤر الاستعمارية.

ــــ

/ع.ف

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا