زواج القاصرات في غزة.. بين وهم الحماية وعبء الحرب

 

 

غزة 21-4-2026 وفا- صفاء البريم

في مشهد يبدو متناقضاً مع مشاهد الدمار المحيطة، يرتفع صوت الدفوف والتصفيق ليعلن زفافا جديدا داخل أحد مراكز الإيواء في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة.

ووفقا لأخصائيين اجتماعيين فإن هذه الأعراس تحمل في طياتها قصة أكثر تعقيداً من مجرد تحدٍ للحياة، فهي تعكس ظاهرة متصاعدة هي "الزواج المبكر"، إذ إن تفاقم الوضع الإنساني في غزة بسبب حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل، دفع العديد من العائلات إلى تزويج بناتها القاصرات بهدف الحماية أو تخفيف الأعباء المعيشية.

ويشير تقرير أصدره صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) في آذار/ مارس 2026 إلى أن تردي الوضع الاقتصادي، في ظل وصول نسبة الفقر إلى 99%، يزيد الإقبال على تزويج القاصرات باعتباره عبئًا ماديًا أقل.

وبين التقرير أن الحرب التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تُقوّض عقودا من التقدم المُحرز في الحد من زواج الأطفال في غزة، ففي عام 2022 انخفضت نسبة الزيجات المُسجلة للفتيات دون سن الثامنة عشرة إلى 17.9%، بعد أن كانت تتجاوز 28% في عام 2009.

ورغم ندرة البيانات حاليا نتيجة تدمير الاحتلال لأنظمة المعلومات والقانون والصحة بشكل كبير، يُشير الأخصائي الاجتماعي يوسف عدوان إلى ارتفاع حاد في هذه النسب لأن العديد من الزيجات لن يتم تسجيلها رسميا إلا لاحقا، بعد استقرار الخدمات، أو عند بلوغ الفتاة السن القانونية أو حملها، وكل هذا يحرم الفتيات من الحماية القانونية.

وتتجسد المأساة في حكاية س. ع (17 عاما)، التي دمرت قنابل الحرب منزل عائلتها في مدينة خان يونس، فوجد والدها نفسه عاجزاً عن تحمل نفقات تنقلها وإيوائها في ظل النزوح المستمر والمتكرر، وهنا، كان القرار: زواج الفتاة في أقرب وقت ممكن.

تقول: "تزوجت رغماً عني، دون فرح، تزوجت من ابن عمي الذي يكبرني بثلاث سنوات فقط".

وتتحدث بمرارة عن خسارة ذهبها ومقتنياتها خلال النزوح مع زوجها بعد أيام قليلة من الزواج، وعن حملها الثالث بعد إجهاضين متتاليين، لتكون بذلك شاهدة على الخطر الصحي والنفسي الذي تتعرض له القاصرات في ظل انهيار النظام الصحي.

ويكشف المحامي وسام أبو سبت أن "تسجيل عقود الزواج تحول إلى "ضرورة حياة. يعود ذلك إلى أن العائلات تدرك أن الزواج الرسمي يجعل الزوجين "يستقلان" عن سجلات أسرتيهما، مما يسمح لهما بالحصول على قسائم غذائية منفصلة".

ويذكر أن النازحين في غزة الذين يقدر عددهم وفقًا لأحدث تقارير الأمم المتحدة بنحو 1.9 مليون شخص، يتلقون أحيانا بعضا من السلات الغذائية والمعونات التي تساعدهم على البقاء، "إضافة إلى طموح أكبر هو الحصول على شقة سكنية بعد انتهاء الحرب وبدء إعادة الإعمار حسب اعتقادهم"، وهذا السيناريو، كما يؤكد المحامي أبو سبت، كان قد تكرر في حروب سابقة.

وتقول الحاجة أم عبد الله (55 عاما) إن "وضع الحرب المستمرة الذي نعيشه وخوفي الشديد من أن أفقد ابني الوحيد عبد الله بسبب القصف الإسرائيلي المستمر دفعاني إلى تزويجه في سن مبكرة، إذ إنه سيتم عامه العشرين الشهر القادم، فيما تبلغ عروسه آية 17 عاما، وهو يعمل في جمع الحطب وبيعه، لينفق على أسرته في ظل هذه الظروف الصعبة".

ويعتمد الناس في غزة على الحطب في ظل عدم سماح الاحتلال الإسرائيلي بدخول كميات كافية من الوقود إلى القطاع.

وتضيف: "أريد أن أفرح به وأرى أحفادي حولي يلعبون ويمرحون، فكفى ما عشناه في الحرب من فقد وموت".

ويقول أبو عمر حمدان: "استُشهد أبنائي الثلاثة وزوجاتهم وأحفادي في قصف البناية التي كنا نعيش فيها في مدينة خان يونس ولم يبق لي إلا ابني أنس ؟19 عاما)، الذي تزوج قبل شهرين كي تستمر عائلتنا موجودة".

ويضيف: "عندما أسمع أن عائلات كاملة قد تم مسحها من السجل المدني يكاد يصيبني الجنون، وهذا ما اضطرني إلى تزويج ابني في هذه السن المبكرة".

وتشير التقارير الرسمية الفلسطينية إلى مقتل أسر بأكملها (الأب، والأم، والأبناء) خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، فقد شُطبت عائلات كاملة من السجل المدني، إذ يقدر أن أكثر من 2,172 عائلة فلسطينية أبادها الاحتلال بالكامل.

ووفق المصادر الصحية، فإن ربع المرافق الصحية في غزة حاليا تستطيع تقديم الرعاية الطارئة للأمهات والمواليد الجدد، ما يزيد بشكل كبير خطر حدوث مضاعفات.

ومع ندرة الإمدادات المسموح بدخولها إلى القطاع بسبب إغلاق الاحتلال الإسرائيلي للمعابر والتحكم فيها منذ ما يقرب من ثلاث سنوات- بما فيها مستلزمات الصحة الجنسية والإنجابية- قد تكون العواقب وخيمة، بل مميتة.

وبحسب تلك المصادر في كانون الأول/ ديسمبر 2025، فقد شكلت المراهقات ما يقرب من 10% من حالات الحمل المسجلة حديثا، وكثيرات منهن يعانين سوء التغذية وفقر الدم، ويفتقرن إلى الرعاية الصحية اللازمة قبل الولادة.

وتقول ا.ق التي تزوجت قبل عامين: (خلال الحرب): أصبحت أما الآن، لكنني أظل أتساءل كيف سأطعم طفلي في ظل هذا الغلاء الفاحش الذي نعيش فيه، وكيف سأربيه في خيمة لا تقي حر صيف ولا برد شتاء؟

وتضيف: "لم يكن هناك خصوصية، ولا طعام، ولا أمان. وكنت أعاني أيضا سوء التغذية. وافقتُ على الزواج في الخامسة عشرة من عمري لأن زوجي كان يملك بيتا في وسط مدينة خان يونس، وظننت أن ذلك سيمنحني الأمان والاستقرار والحماية من الحرب".

لكن سرعان ما تبدد هذا الأمل، لأن الاحتلال قصف البيت بعد أيام من خطبتها "فلم يعد هناك منزل، ولا احتفال، فقط خيمة، شعرت أنني أكبر من سني، وأحمل مسؤوليات تفوق طاقتي. والآن أنتظر طفلا في خيمة، بعد كل ما فقدناه"، قالت آية.

وتقول م.ط (17 عاما): "بسبب الحرب، أُجبرت على ترك المدرسة. اليوم أجلس في إحدى المدارس التي تؤوي نازحين، أعيش كزوجة تحت سقف من الألم، لا كطالبة تحمل كتبها وتحلم بمستقبلها".

وتضيف: "رفضت فكرة الزواج. كنت أرغب في النجاح في مدرستي وبناء مستقبلي. لكن الحياة التي حلمت بها تبددت بسبب الحرب".

وتحذر الأخصائية التربوية كفاح سليمان "من أن توقف العملية التعليمية للسنة الثالثة على التوالي في قطاع غزة يشكّل عاملًا إضافيًا لانتشار تزويج القاصرات"، مضيفة أن "التعليم الإلكتروني ليس فعالا في غزة بسبب غياب الاستقرار، وانعدام الإنترنت والأجهزة بفعل العدوان الإسرائيلي".

وبينت أن "هذا التوقف في التعليم دفع بعض الأسر إلى اعتبار تزويج الفتاة خيارًا بديلاً عن بقائها في فراغ تعليمي".

ــــ

/و.أ

 

 

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا